تقنية

مؤسسات إعلام عربية غائبة عن صناعة البودكاست الرائجة عالميا

المستمعون الشباب يجدون ألفة مع المدونات الصوتية.

مازالت صناعة البودكاست متواضعة في العالم العربي وتعتمد بشكل أساسي على الجهود الفردية، لكنها لن تؤدي إلى مشهد بودكاست متطور يحقق إيرادات جيدة مع العدد الصغير جدا من المؤسسات الإعلامية المستقلة التي تنتج مدونات صوتية.

ستوكهولم – تسعى شركة سبوتيفاي السويدية للتربع على عرش البودكاست بإبرام عقود مع مشاهير العالم، لتستثمر الشعبية المتزايدة لهذا المجال في شتى أنحاء العالم وخصوصا بين الشباب، ورغم أن العالم العربي يشهد اهتماما متزايدا بالبودكاست ويوجد متسع كبير في الساحة لمزيد من البرامج إلا أن مجال الاستثمار لا يزال ضعيفا.

وعقدت سبوتيفاي شراكة مع الأمير هاري وزوجته ميغن لسنوات عدة لإنتاج مدونة صوتية بعنوان “آرتشويل أوديو”، وستكون المدونة الصوتية الأولى حلقة خاصة بأعياد نهاية العام تُبث في الأسابيع المقبلة وتتضمن “قصصا عن الأمل والتعاطف”، مع “ضيوف ملهمين للاحتفال بالسنة الجديدة”.

والاستعانة بالمشاهير ونجوم الفن والمجتمع من قبل سبوتيفاي لتقديم المدونات الصوتية تشير إلى حجم اهتمام المستخدمين بالبودكاست والأرباح التي تجنيها منه الشركة، وهو ما عبر عنه دوق ودوقة ساسكس بالقول “ما نحبه في المدونات الصوتية هو أنها تذكّرنا جميعا بأن نكرّس وقتا للإصغاء الفعلي والتواصل مع بعضنا البعض من دون إلهاء”.

ويشكل الإغلاق العام الذي أعلنته العديد من الدول في فترة الأعياد فرصة لشركات الإنترنت العالمية بمختلف خدماتها لجذب المستخدمين، في حين تضيع المؤسسات الإعلامية العربية هذه الفرصة رغم حاجتها لجذب الجمهور بالمزايا والتقنيات الحديثة.

ويعتمد البودكاست في العالم العربي بشكل أساسي على جهود فردية، وهي مشاريع شبابية بامتياز منتجوها ومستهلكوها من الجيل الجديد، حتى أن المدونات الصوتية عبر الإنترنت أصبحت تتجاوز وسائل الإعلام التقليدية وتتيح للمنتجين لها التحدث إلى شريحة واسعة من الجمهور، وتجذب نسب استماع جيدة.

وخلص آخر استطلاع أجرته مبادرة “بودكاست بالعربي” لدعم المحتوى الصوتي العربي في عام 2019، إلى أنه تتراوح أعمار مستمعي البودكاست العرب بين 18 و34 عاما، وبنسبة متساوية تقريبا بين الجنسين، 50.8 في المئة من الذكور والإناث 49.2 في المئة، وكانت الأغلبية من المتعلمين حاملي شهادات البكالوريوس وما أعلى بنسبة 80 في المئة.

ويتفق المستمعون الشباب على أن ميزة البودكاست أنه غير متكلف ويقدم محتوى متميزا يضم أفكارا مهمة بطريقة جذابة أقرب للحوار مع الأصدقاء وأهم عنصر لجذب الجمهور هو المحتوى الجيد وطريقة التقديم، وهناك ألفة مع المدونات الصوتية عبر الإنترنت.

كما أن ثقافة البودكاست العربي أسهمت في تقريب وجهات النظر بين شعوب المنطقة بتقديمها نافذة مغايرة بعيدا عن الصورة النمطية والرسالة الرسمية، والعامل المهم في هذا النوع من الأدوات الإعلامية أنه لا يواجه حارس البوابة، ويعتبر النموذج الأكثر حداثة من الراديو حيث يستمع الناس بشكل عام إلى المدونات الصوتية عبر الإنترنت بشكل منفرد بواسطة سماعات الأذن في الهواتف الذكية، أثناء قيادة السيارة، أو في المترو، أو عند ممارسة الرياضة، أو حتى عند الطبخ، وبالتالي فهو لا يتطلب تركيزا بما أنه يعمل في الخلفية أثناء ممارسة النشاطات الروتينية.

وكشفت دراسة أجراها مركز إديسون للأبحاث أن المستمع العادي إلى المدونات الصوتية عبر الإنترنت يسجل للاشتراك في ست مدونات. وتظهر الدراسة أيضا أن 85 في المئة من المستمعين يواصلون الاستماع إلى جزء كبير من المدونة الصوتية أو إلى المدونة كلها، وهذه شهادة على قدرة معدي المدونات الصوتية أو البودكاست على التواصل مع جمهورهم.

ورغم أنه لا توجد تقديرات على نطاق واسع حول العدد الإجمالي للمدونات الصوتية عبر الإنترنت، إلا أن الهوة واسعة جدا بين البودكاست العربي والبودكاست باللغات الأخرى، وقالت شركة أبل، التي تعد أكبر موزع لهذه الملفات، إن أكثر من بليون شخص قد قاموا بتحميل 250 ألف مدونة (باللغات الثماني) المتوفرة على موقعها الإلكتروني.

وكان الصحافي كريستوفر لايدون، أول من سجل المدونات الصوتية، وأول من أدرك إمكانيات الاستفادة منها، وقال في حديث لصحيفة الغارديان إن هدف أوائل المنتجين للمدونات الصوتية كان هو أن يصبح “كل رجل وامرأة وطفل إعلاميا أو مذيعا”.

لأمازون بمكانة مهيمنة في الكتب الصوتية لأمازون بمكانة مهيمنة في الكتب الصوتية

لكن في الوقت الذي ينظر فيه مقدمو البودكاست إليه كفرصة واعدة، توجد العديد من التحديات التي في العالم العربي، أبرزها عدم تحقيق دخل من إنتاج البودكاست.

وغالبا ما يكون الدافع وراء مقدمي البودكاست شغفهم بالمشروع أو بالفكرة التي يودون طرحها في سلسلة حلقات وبشكل عام تكون لدى فريق عمل البودكاست وظيفة أخرى يعتمدون عليها ماديا.

ويشير متابعون إلى صعوبة تحقيق ربح من البودكاست، بسبب ضعف الإعلانات، فهي تحقق مبالغ صغيرة جدا وغير مربحة بينما يعمل سوق الإعلانات بشكل جيد بالنسبة للبودكاست الأميركي والأوروبي.

وفي الوقت الراهن، يُمكن إدخال عائد من خلال بيع الخدمات، أي إنتاج برامج بودكاست لشركات ومؤسسات، أو الحصول على دعم وتمويل من شركات، مثل شبكة “صوت” التي حصلت على دعم من “مبادرة غوغل للأخبار” لتمويل شبكة “زمكان” التي تضم برامج بودكاست عربية مستقلة.

ويراهن صناع البودكاست على جودة المحتوى وإبداعيته لتحقيق الشعبية، ويعتبرون أن مستقبل التدوين الصوتي يحتاج بعض الوقت في المنطقة، فهناك مؤسسات إعلامية عربية بدأت في إنتاج برامج بودكاست، لكنها مازالت قليلة.

وحتى مع وجود هذه المؤسسات وغيرها من البرامج الفردية، تبقى الحاجة للمزيد من المحتوى العربي ولتنوعه، فهناك الكثير من المواضيع التي لا توجد عنها برامج بودكاست وأهمها السياسية إضافة إلى الأخبار اليومية، كالصحة وتطوير الذات، وهو موضوع شائع بشكل كبير في أماكن أخرى. لذلك لن تؤدي التجارب العربية المحدودة إلى مشهد بودكاست متطور يحقق إيرادات جيدة مع العدد الصغير جدا من المؤسسات الإعلامية المستقلة التي تنتج برامج بودكاست.

في المقابل، يشهد سوق البودكاست العالمي تنافسا واسعا وتدفق المال إلى هذه الصناعة، حيث استحوذت شركة سبوتيفاي في الأشهر الأخيرة على شركتي بودكاست، بينما تجري شركة أمازون محادثات للاستحواذ على شركة البث الصوتي “ووندري”، في صفقة تزيد قيمتها على 300 مليون دولار، وذلك بعد عملية تقديم عطاءات، جذبت اهتماما أيضا من شركات أخرى، مثل أبل وسوني ميوزيك.

وبحسب وكالة بلومبيرغ الأميركية، تتمتع أمازون بمكانة مهيمنة في الكتب الصوتية، وذلك بفضل قسمها المسموع، وهي تتطلع إلى المزيد من التقدم في البودكاست وغيرها من الأصوات غير الموسيقية، لذا كلفت الشركة برامج من المؤلفين والمشاهير الأكثر مبيعا، وظهرت كواحدة من أكبر الداعمين للعروض الصوتية الأصلية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى